أحمد مصطفى المراغي

124

تفسير المراغي

الإيضاح ( فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى ) أي فانصرف عن مجلس الحجاج والمناظرة ، وشرع يعدّ ما يكيد به من السحرة وآلاتهم وأنصاره وأعوانه ، وكثير ما هم ، ثم أقبل في الموعد الذي عيّن ومعه جمعه ، وجلس على سرير ملكه وحوله أكابر دولته ، واصطفت الرعية يمنة ويسرة ، وأقبل موسى يتوكأ على عصاه ومعه أخوه هارون ، ووقف السحرة صفوفا بين يدي فرعون يحرّضهم ويستحثهم ويرغّبهم في جودة العمل ، ويتمنّون عليه وهو يعدهم ويمنيهم ، وقد جاء في سورة الشعراء : « قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ . قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ » . ثم ذكر سبحانه ما كان من موسى حينئذ فقال : ( قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ) أي قال موسى للسحرة : لا تختلقوا الكذب على اللّه ولا تتقولوه عليه ، بأن تدّعوا أن الآيات التي ستظهر على يدىّ سحر كما فعل فرعون ، فيستأصلكم بعذاب من عنده ، ولا يبقى منكم ولا يذر . ( وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ) على اللّه الكذب ، ولم يفلح في سعيه ، ولم يصل إلى غرضه ، فابتعدوا عن اختلاق الأكاذيب ، ولا تضلّوا سواء السبيل ، حتى لا يصيبكم ما أصاب المفترين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . ولما سمع السحرة كلام موسى وهارون هاجهم ذلك . ( فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى ) أي فتشاوروا وتفاوضوا ما ذا يفعلون ، وبالغوا في كتمان ما يقولون عن موسى وأخيه حتى لا يسمعا ما يدور من القول ، فيعدّا للأمر عدته ، ويهيئا وسائل الدفاع ، ومن الطّبعى في مثل هذه الأحوال أن يخفى أحد المتخاصمين كل ما يدبّره من وسائل الفوز والفلج عن خصمه الآخر . ثم بين سبحانه خلاصة ما استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور بقوله :